السيد حيدر الآملي

53

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

الحيوان فبالقوّة الجاذبة لا الدافعة ، فحظ القوّة الدّافعة ما تخرجه كما قلنا من الفضلات لا غير . ثمّ أحدث فيه القوّة الغاذية والمنمية ، والحاسيّة ، ( الحسيّة ) والخياليّة ، والوهميّة ، والحافظة ، والذّاكرة . وهذا كلَّه في الإنسان بما هو حيوان لا بما هو إنسان فقط ، غير أنّ هذه القوى الأربعة : قوة الخيال ، والوهم ، والحفظ ، والذّكر ، هي في الإنسان أقوى منها في الحيوان . ( ثمّ ) خصّ آدم الَّذي هو الإنسان بالقوّة المصوّرة والمفكّرة ، والعاقلة ، فتميّز عن الحيوان ، وجعل هذه القوى كلَّها في هذا الجسم ، آلات للنّفس النّاطقة ، لتصل بذلك إلى جميع منافعها المحسوسة والمعنويّة ، « ثمّ أنشأه خلقا آخر » ، وهو الإنسانيّة ، فجعله درّاكا بهذه القوى حيّا ، عالما ، قادرا ، مريدا ، متكلَّما ، سميعا ، بصيرا ، على حدّ معلوم معتاد في اكتسابه : فَتَبارَكَ اللَّه ُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ سورة المؤمنون : 14 ] . ( تخلَّق الإنسان بأسماء الحقّ تعالى ) ثمّ إنّه سبحانه ما سمّى نفسه باسم من الأسماء إلَّا وجعل للإنسان من التخلَّق بذلك الاسم حظَّا يظهر به في العالم على قدر ما يليق به ، ولذلك تأول بعضهم قوله عليه السّلام : « خلق اللَّه تعالى آدم على صورته » ( 21 ) .

--> ( 21 ) قوله : قوله ( ع ) : خلق اللَّه تعالى آدم صورته . رواه الشيخ الجليل الصدوق ( ره ) في كتابه التوحيد في باب تفسير قول اللَّه عزّ وجلّ : * ( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ ) * ، الحديث 10 ، بإسناده عن عليّ أمير المؤمنين ( ع ) قال : سمع النبيّ ( ص ) رجلا يقول لرجل : قبّح اللَّه وجهك ووجه من يشبهك ، فقال ( ص ) : مه ، لا تقل هذا ، فإنّ اللَّه خلق آدم على صورته . قال الصدوق رحمه اللَّه : تركت المشبّهة من هذا الحديث أوّله وقالوا : إنّ اللَّه خلق على صورته ، فضلَّوا في معناه وأضلَّوا . أقول : لا يخفي انّه اعتمد العرفاء في كتبهم في بيان حقيقة الإنسان ومكانته ، بهذا الحديث فلذا أصبح هذا الحديث من المنابع والأصول الأصليّة للعرفان النظري ومن الموازين في إثبات صحّة بعض الكشفيّات حول حقيقة الإنسان ، وحيث نحن نقوم عادة بتطبيق المعارف العرفانيّة وعرضها على الأحاديث الَّتي وردت عن المعصومين عليهم السّلام اهتممنا ببيان بعض المطالب حول هذا الحديث ، ونقل بعض الرّوايات في مضمونه في الجزء الأوّل من تفسير المحيط الأعظم ص 244 في تعليقنا عليه الرّقم 31 ، فراجع ونذكر هنا أيضا إضافة إلى ذلك بعض المطالب الأخرى وهو ما يلي : هذا الحديث من غرر الأحاديث ، يتضمن معارف جمّة في حقيقة الإنسان وسرّها ومنزلتها في العالم بل الإنسان بنفسه وبوحدته عالم ، وفي معناه وردت روايات أخرى سنذكر بعضها إن شاء اللَّه . ويفهم من الحديث : أنّ الإنسان مظهر تامّ له تعالى ويوجد فيه الأسماء كلَّها الجماليّة والجلاليّة ، وأنّ حقيقته هي الاسم الأعظم الجامع ، كما قال تعالى : * ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها ) * [ سورة البقرة : 31 ] . فانّ الإنسان مثال تامّ له سبحانه وتعالى ذاتا وفعلا وصفتا ، فإنّ للحقّ في كلّ خلق ظهورا خاصّا وظهوره ، في الإنسان ظهور تامّ وجامع للظهورات فلذا أصبح الإنسان خليفة له تعالى ، وقال : * ( إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) * [ سورة البقرة : 30 ] . وانّه تعالى خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه وجعله قبلة للملائكة حيث أمرهم للسجود إليه ، * ( فَتَبارَكَ اللَّه ُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ) * . وقال تعالى : * ( فَإِذا سَوَّيْتُه ُ وَنَفَخْتُ فِيه ِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَه ُ ساجِدِينَ ) * [ سورة ص : 72 ] . وقال : * ( يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) * [ سورة ص : 75 ] . ونذكر بعض الأحاديث المطابقة في المعنى للحديث المذكور : وهي ما يلي : ألف - روي عن الصّادق ( ع ) وعن أمير المؤمنين ( ع ) : الصّورة الإنسانيّة هي أكبر حج اللَّه على خلقه ، وهي الكتاب الَّذي كتبه بيده وهي الهيكل الَّذي بناه بحكمته ، وهي مجموع صور العالمين ، وهي المختصر من اللوح المحفوظ ، وهي الشاهدة على كلّ غائب ، وهي الحجّة على كلّ جاحد ، وهي الطريق المستقيم إلى كلّ خير ، وهي الجسر ( الصّراط ) الممدود بين الجنّة والنّار . نقله السبزواري ( ره ) في كتابه شرح الأسماء الحسنى ص 12 ، عن الصّافي وعن ابن جمهور . ب - روي عن النبيّ ( ص ) قال : إنّ اللَّه خلق آدم فتجلَّى فيه . ذكره صدر المتألهين في تفسيره سورة يس ذيل الآية 67 ص 274 . ج - روى عن النّبي ( ص ) ( بحار الأنوار ج 74 ، ص 270 ) وعن أمير المؤمنين ( ع ) في وصيّته لكميل بن زياد ( بحار الأنوار ج 77 ، ص 414 ) قالا : المؤمن مرآة المؤمن . ومعلوم انّ « المؤمن » من الأسماء الحسنى ، كما في قوله تعالى : * ( هُوَ اللَّه ُ الَّذِي لا إِله َ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ ) * [ سورة الحشر : 23 ] . ولا فرق في أن يكون « المؤمن » الثاني هو اللَّه سبحانه والأوّل هو الإنسان الكامل ، أو بالعكس ، فلا تغفل عن هذا السّر ، ويمكن أن يكون المراد من كليهما هو اللَّه سبحانه فيكون هو المرآة لنفسه سبحانه فافهم . قال محيي الدّين ابن عربي في نصوص الحكم ( شرح القيصري ص 107 ) : « فهو مرآتك في رؤيتك نفسك ، وأنت مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها » قال القيصري : « لأنّ العبد يرى في ذات الحقّ عينه ، والحقّ يرى في عين العبد أسمائه » . قال ابن فناري في مصباح الأنس ص 194 : وهي مرتبة قرب الفرائض المعتبر فيها أنّ العبد المتجلَّى له آلة لإدراك الحقّ المتجلَّى ، فهذا ما أشار إليه الشيخ ( رض ) بقوله : أنت مرآته وهو مرآة أحوالك . ( مراده من الشيخ : القونوي في تفسيره ) . د - عن أمير المؤمنين ( ع ) قال : إنّ اللَّه عزّ وجلّ ليس بينه وبين خلقه حجاب . توحيد الصدوق ص 184 ، ح 21 . وعن الكاظم ( ع ) قال : ليس بينه وبين خلقه حجاب غير خلقه . توحيد الصدوق ص 179 ، ح 12 . أقول : كون الإنسان مرآة وآية هو الحجاب بينه وبين اللَّه سبحانه كما أن هويّة الإنسان هي عين مرآتيّته . هناك أقوال وآثار من العلماء والحكماء نأتي ببعضها ولا بأس به : نقل السيّد بن طاوس في كتابه سعد السّعود ص 33 عن صحف إدريس ( ع ) ، قال : فقال في الصّحف ما هذا لفظه : فخلق آدم على صورة ( صورته كما في البحار ) الَّتي في اللوح المحفوظ . وقال بعده : يقول علي بن موسى بن طاوس : فاسقط بعض المسلمين بعض هذا الكلام وقال : إنّ اللَّه خلق آدم على صورته ، فاعتقد التجسيم فاحتاج المسلمون إلى تأويلات الحديث ، ولو نقله بتمامه استغنى عن التأويل بتصديق ، وشهد العقل المستقيم . راجع البحار أيضا ج 11 ، ص 120 ، ح 55 وج 57 ، ص 101 ، ح 86 . وذكر السيّد المرتضى علم الهدى ( ره ) في كتابه تنزيه الأنبياء ص 127 أقوالا في معنى الحديث فقال : ويمكن وجه خامس ، وهو أن يكون المعنى : أنّ اللَّه أنشأه على هذه الصورة الَّتي شوهد عليها على سبيل الابتداء ، وانّه لم ينتقل إليها ويتدرّج كما جرت العادة في البشر . ( انتهى كلام السيّد ) ، فراجع . وقال المجلسي رحمه اللَّه بعد ذكر لفظه في بحار الأنوار ج 4 ، ص 14 : نقول : وفيه وجه سادس ذكره جماعة من شرّاح الحديث ، وهو أنّ المراد بالصّورة : الصفة من كونه سميعا بصيرا متكلَّما ، وجعله قابلا للاتّصاف بصفاته الكماليّة والجلاليّة على وجه لا يفضي إلى التشبيه ، والأولى الاقتصار على ما ورد في النصوص عن الصادقين ( ع ) . وذكر ابن أبي جمهور أيضا أقوالا في معنى الحديث في كتابه عوالي اللئالي ج 1 ، ص 53 ، فراجع . قال الغزالي في كتابه احياء علوم الدّين ج 4 ، ص 306 وعنه الفيض الكاشاني في المحجّة البيضاء ج 8 ، ص 25 ، في باب « حقيقة المحبّة وأسبابها » : وأمّا السبب الخامس للحبّ فهو المناسبة والمشاكلة ، لأنّ شبه الشيء منجذب إليه ، والشكل إلى الشكل أميل . إلى أن قال : وهذا السبب أيضا يقتضي حبّ اللَّه تعالى لمناسبة باطنة لا ترجع إلى المشابهة في الصّور والأشكال بل إلى معان باطنة ، يجوز أن يذكر بعضها في الكتب ، وبعضها لا يجوز أن يسطر بل يترك تحت غطاء الغبرة حتّى يعثر عليه السالكون للطريق إذا استكملوا شرط السّلوك . فالَّذي يذكر هو قرب العبد من ربّه عزّ وجلّ في الصّفات الَّتي أمر فيها بالاقتداء والتخلَّق بأخلاق الرّبوبيّة ، حتّى قيل : « تخلَّقوا بأخلاق اللَّه » ، وذلك في اكتساب محامد الصفات الَّتي هي من صفات الإلهيّة من العلم والبرّ والإحسان واللطف ، وإفاضة الخير والرحمة على الخلق ، والنصيحة لهم وإرشادهم إلى الحقّ ومنعهم من الباطل ، إلى غير ذلك من مكارم الشريعة ، فكلّ ذلك يقرّب إلى اللَّه سبحانه وتعالى ، لا بمعنى طلب القرب بالمكان بل بالصّفات . وأمّا ما لا يجوز أن يسطر في الكتب من المناسبة الخاصة الَّتي اختصّ بها الآدمي فهي الَّتي يومئ إليها قوله تعالى : * ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) * [ سورة الإسراء : 85 ] . إذ بين أنه أمر ربّاني خارج عن حدّ عقول الخلق ، وأوضح من ذلك قوله تعالى : * ( فَإِذا سَوَّيْتُه ُ وَنَفَخْتُ فِيه ِ مِنْ رُوحِي ) * [ سورة الحجر : 29 ] . ولذلك أسجد له ملائكته ، ويشير إليه قوله تعالى : * ( إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ ) * [ سورة ص : 26 ] . إذا لم يستحق آدم خلافة اللَّه تعالى إلَّا بتلك المناسبة وإليه يرمز قوله ( ص ) : « إنّ اللَّه خلق آدم على صورته » . حتّى ظنّ القاصرون أن لا صورة إلَّا الصّورة الظاهرة المدركة بالحواسّ فشبّهوا وجسموا وصوّروا ، تعالى اللَّه ربّ العالمين عمّا يقول الجاهلون علوّا كبيرا . ونختم الكلام بما قال صدر المتألهين في كتابه الأسفار الأربعة ج 1 ، ص 265 : إنّ الباري تعالى خلَّاق الموجودات المبدعة والكائنة ، وخلق الإنسانيّة مثالا لذاته وصفاته وأفعاله ، فإنّه تعالى منزّه عن المثل لا عن المثال ، فخلق النفس مثالا له ذاتا وصفاتا وافعالا ليكون معرفتها مرقاة لمعرفته ، وصيّرها ذات قدرة وعلم ، وإرادة وحياة ، وسمع وبصر ، وجعلها ذات مملكة شبيهة بمملكة بارئها ، يخلق ما يشاء ويختار لما يريد . وقال في كتابه مفاتيح الغيب ص 32 : واعلم أن الباري وحدانيّ الذّات في أوّل الأوّلين ، وخليفة اللَّه فرداني الذّات في آخر الآخرين ، « كما بدأكم تعودون » فاللَّه سبحانه ربّ الأرض والسّماء ، وخليفة اللَّه مرآة تظهر فيها الأسماء ، ويرى بها صور جميع الأشياء ، وينظر خليفة اللَّه مرآة تظهر فيها الأسماء ، ويرى بها صور جميع الأشياء ، وينظر بنور عينه إلى نور عين المسمّى ، من عرف نفسه فقد عرف ربّه ، انتهى قوله رحمه اللَّه . قال الشاعر باللغة الفارسيّة : در أزل پرتو حسنت ز تجلَّى دم زد عشق پيدا شد وآتش به همه عالم زد جلوه اى كرد كه بيند به جهان صورت خويش خيمة در آب وگل مزرعهء آدم زد